قد أدرك منذ أمدٍ بعيد أنه لم يعد بمقدوره تغيير العالم؛ لم يستطع حماية الضعفاء، ولم يستطع إغناء المساكين، كما أنه أظهر فشلًا ذريعًا في وقاية الأطفال من الأمراض، وإخفاقًا لافتًا في حماية كبار السن من الشيخوخة وأمراضها، لم يستطع إيقاف الحروب والمجاعات، ولم يستطع منع الكوارث الطبيعية، كذلك لم يستطع إقناع الأسد بأن لا يلتهم صغير الغزال، ولم ينجح في التفاوض مع الحدأة حول افتراسها المتكرر لصغار اليمام، لذا؛ فقد قرر أخيرًا أن يغير خطته، وأن يقوم قليلًا بتحريف قواعد اللعبة التي بدت غير متكافئة، لقد قرر ببساطة أن يقوم بانتشال الأخيار والصالحين من ذلك العالم القاسي عوضًا عن محاولة إصلاحه عديمة الجدوى، لقد بدت تلك المهمة أمامه مهمة سامية، لا تتطلب سوى شخصٍ شجاعٍ صادقٍ ليقوم بها على الوجه الأمثل، وأشخاصٍ صالحين حقًا لينالوا شرف هذا الخلاص، كم شخص منهم تمنى الموت والرحيل عن هذا العالم ولم يمتلك الشجاعة الكافية لأسبابٍ متفاوتة؟ لقد قرر أن يعفيهم من تلك الحيرة والعذاب، وأن ينوب عن ملك الموت في مهمته المؤجلة، على أن يُبرر له وللخالق لاحقًا دوافعه النبيلة الصادقة.
إنه لمن العجب حقًا أن ينتقي الأخيار للموت، فلقد شاع عن الأبطال النمطيين انتقاء الأشرار لقتلهم في محاولةٍ لتنقية العالم من سمومهم، ولكنه كان شديد الواقعية غير حالم، فلقد حسم ذلك النقاش الداخلي الذي دام لسنوات بداخله، وخلص إلى أنه لا يمكن الخلاص من الأشرار أبدًا، كما أنهم ليسوا السبب الوحيد للشر المتجذر في هذا العالم المتداعي، إنها معركة غير متكافئة، كأنك في حلبةٍ لمواجهةِ وحوش متتالية لا تُستنفذ ولا تنتهي دفاعًا عن المستضعفين، ألا يجدر بك إزاحة المساكين من تلك الحلبة الدامية بدلًا من مواصلة القتال؟

لقد بدأ بطلنا في إنقاذ أبيه وأمه، ثم انتقل إلى زوجته وإخوته، ومر على فقيرٍ طاعنٍ في السن فأنقذه، ثم إلى رضيعٍ ذا ثقبٍ بالقلب فانتشله، طاف وجال البلاد سعيًا لمواصلة مهمته السامية النبيلة، وذاع صيته في الأصقاع ما بين مؤيدٍ ومعارض، وما بين ملاحقٍ ومدافع، لقد باتت الأرملة بأيتامها الستة تنشد قدومه من الباب ليلًا وتتلهف لقائه، ولقد بات المرضى بالمشافي يتطلعون من النوافذ على أمل رؤيته. لقد تجاوز الألف إنقاذ، يا لنبله وشجاعته! ولكنه في حالةٍ أخيرة؛ ترجاه شيخٌ كبير على أن يتركه حيًا لحين رؤية حفيده، لقد أبدى بطلنا تفهمًا وعطفًا صادقًا وأعرض عن الشيخ لحين تحقيق أمنيته، وعندئذٍ؛ أدرك البطل أخيرًا أنه رجلٌ صالحٌ رقيق القلب، وقرر أن يرشح نفسه لخلاصه، فانتشل نفسه الطيبة من هذا العالم الذي لطالما حاول إصلاحه معلنًا عن فشله في مهمته الأخيرة.

قصة قصيرة
٢٢ مارس ٢٠٢٥
محمد عزالدين